Header Ads

وداعا للجريده الورقيه الان عصر الإعلام الإلكتروني، وكالة أنباء متنقلة





االصحافة الورقية صامدة رغم العواصف الإلكترونية
لئن ساهم النشر الإلكتروني بتوسيع قاعدة القراء، من خلال سرعة النشر والرواج وتمكين الاطلاع السهل، فإن النشر الإلكتروني، حقيقة، ليس مجرد نشر لمادة ورقية في الأساس. مهما ظهر من فوائد جمة للنشر الإلكتروني، ومهما تراءى، للبعض، في إعادة نشر الورقي، إلكترونيا، فإن ثمة ما يحكم النظام الورقي، وثمة ما يحكم النظام الإلكتروني. وهو سبب وقوع البعض في هذا الالتباس، فبقي الورقي ورقيا، ولم يكن الإلكتروني، والحالة هذه، أكثر من وسيلة للنقل، أو أداة فائقة السرعة والرواج. بدليل أن الصحف الورقية التي أفادت من النشر الإلكتروني لموادها المنشورة مسبقا في صحف، لم تتمكن من زيادة عدد القراء إلا بالمستوى النسبي، حيث يساهم توسع قاعدة القراء التي يوفرها النشر الإلكتروني، زيادة نسبية بعدد المتابعين والمهتمين. إلا أن الواقع هو أن الصحف الإلكترونية الصافية تفوقت على الصحف المطبوعة، لسبب بسيط جوهري: هو التفاعل الفوري ما بين المنشور والواقع، والتفاعل الفوري ما بين المنشور والمتلقي.
بقيت الصحف الورقية ورقية، في الوقت الذي أفادت فيه من النشر الإلكتروني، وفي الوقت الذي اعتمدت فيه على توسع قاعدة القراء التي هي من فضائل الشبكة العنكبوتية. إلا أنها لم تستطع أن تقطف ثمار الصحافة الإلكترونية على الإطلاق. كان النشر الإلكتروني بالنسبة إليها مجرد وسيلة سريعة للنقل والتوزيع. وعند هذا الحد لم تتوسع قاعدة القراء إلا بالارتباط العضوي بقاعدتها الورقية، في الأصل، فكانت الزيادة محكومة بهذه القاعدة، لتكون النسبة في الحدود المنطقية التي لا تجعلها منصة جالبة للقارئ إلا القارئ الورقي ذاته الذي انتقل من تقليب الجريدة الورقية، إلى تصفح موادها على الشبكة.
أما المنابر التي تشكلت في الأصل صحافة إلكترونية، فقد أفادت مما أفاد الورقية لجهة الوصول السريع والرواج، إلا أنها ظفرت بقارئ بعيد غامض الملامح، ونجحت في تكوينه قارئا مياوما. والتوسع السريع لقاعدة القراء في المنابر الإلكترونية، كان بسبب قوة التفاعلية ما بين القارئ والمنبر، والطبيعة الفورية للخبر أو نتائجه أو أسبابه. ويعلم الجميع أن هناك عددا من الصحف الورقية العربية الشهيرة تخسر قراء المانشيت الرئيس فيها، بسبب تأخره عن النشر يوما كاملا! ومهما حاولت الورقية أن تعطي للمانشيت الرئيس بعدا تحليليا معينا للتعويض عن تأخر النشر الذي يفترضه روتين النشر الورقي المعروف، إلا أنها لا تكون مصدرا للخبر ولا ممتلكا حصريا لهذا التحليل أو ذاك. تكون قد سبقت تلفزيونيا، أو إلكترونيا.

في الحقيقة، تتوزع قاعدة القراء ما بين التلفزيون والإنترنت، كأغلبيات ساحقة تؤمنها التغطية الفورية أو النشر العاجل. ولا يبقى للورقية إلا رصانة المادة وأسلوبها الخبري، من خلال نوعية النص المكتوب، والجهد التحريري المتمثل بتنقيح المادة وباجتراح عناوين محترفة، التصحيح اللغوي الحارس لرصانة المادة، ومقالات الرأي التي يكتبها صحافيون أو أدباء أو نقاد أو مثقفون أكاديميون كبار. هنا تكسب الورقية بالمطلق، فالنشر الإلكتروني كثير العيوب على المستوى المهني ومن أشهر عيوبه: الأخطاء النحوية والإملائية والطباعية.
كما أن الصحافة الإلكترونية لم تستطع حتى الآن أن تطرح أقلاما ومواهب مميزة إلا إن كانت هذه الموهبة قادمة، في الأصل، من الصحافة الورقية. والحق يقال، إن المنابر الإلكترونية الناجحة التي حصدت قاعدة قراء واسعة، يقوم عليها أصلا محررون قادمون من الصحافة الورقية. ففي هذا المكان القديم تمت صناعة هذه الخبرة وإكسابها خبرات التحرير والتعبير والنقل والكتابة بصفة عامة.
لكن «رصانة» المادة الورقية لم تضمن توسيع قاعدة القراء، والنشاط التحريري المميز لم يتمكن من جلب القارئ «الطيّار» البعيد الباحث عن محتوى فوري الطابع. والزمن الذي كان يبحث فيه القارئ عن مادة تحليلية موسعة، أصبح مرتبطا بمراكز أبحاث أكثر مما هو مرتبط بمادة صحافية مهما علا شأنها. ويرى بعض المحللين المتابعين بأن القارئ السياسي العربي، عامة، أصبح قارئا تطابقيا بامتياز، بحيث يجد ضالته في المادة التي تتطابق مع يقينه السياسي، وينصرف عن أي مادة مضادة لهذا اليقين، بسبب ضعف التأسيس النقدي لخلفيته كقارئ سياسي. ويرى المحللون أن الخطأ يأتي من جهة أخرى، من الصحافة الورقية ذاتها، التي باتت أكثر تطابقية من القارئ نفسه، فلا تنشر إلا المواد المنافحة عن سياستها الإعلامية، أما الأفكار التي لا تنضوي في هذه السياسة، فعلى القارئ أن يجدها في منبر آخر الذي سيكون كسواه، مانعا للمواد الخارجة عن سياسة التحرير الوثوقية المتشددة إلى الحد الأقصى!
إن هذا التشدد في التعبير عن سياسة المنبر، جعل من مادة «التحليل السياسي» ضعيفة التأثير والمحتوى، بسبب كونها تحليلا سياسيا مدافعا عن سياسة هذا المنبر أو ذاك، فقط. ولم تعد، كما أيام الزمن الورقي البعيد، محاولة موضوعية لقراءة واقع سياسي أو تحول سياسي غامض وتوقعات وما شابه ذلك. هذا كله، جعل من تأثير «رصانة» الورقية يبقى على حاله كما لو أنه ورقي فقط ولم يتمدد إلكترونيا. وكان الخطأ الفادح الذي وقعت به الورقية – الإلكترونية، يتمثل بالتعامل مع النشر الإلكتروني بصفته موزع مطبوعات، لا أكثر، ولم تدخل في عمقه المفترض ألا وهو: التفاعلية.
التحدي الأبرز للصحافة الورقية كان ولا يزال بالتفاعل. فهو، معها، بطيء وروتيني، وأحيانا معدوم وغائب. على العكس من الصحافة الإلكترونية التي جعلها التفاعل تتحرك في آلية فورية تجمع ما بين المادة الخبرية والرأي ورد الفعل والرأي العام. وتمكّن الصحافة الإلكترونية من إبراز العلاقة ما بين المحتوى الإعلامي ولا شعور القارئ الذي يتم تظهيره فوريا ومتواصلا ومتغيرا.
في باب شهير وينطوي على تحديات جمة هو باب التعليقات. ولأهميته نراه ممنوعا في بعض المواد مفرطة الحساسية، ومسموحا في بعض المواد الرخوة والعامة، ومقفلا نهائيا بعيد ورود تعليقات غير مناسبة أو جارحة أو إباحية، كما جرى منذ أيام مع إحدى الصحف اللبنانية الشهيرة، حيث قام ناشطٌ فلسطيني (هكذا عرف نفسه) بنشر صور إباحية مقززة على موقع هذه الجريدة العريقة!
التفاعلية. التحدي الأبرز للصحافة الورقية – الإلكترونية. فنقل المواد من مكانها المطبوع إلى مكانها العنكبوتي، لا يجعل منها نشاطا إلكترونيا نقيا. لأن التحدي يكمن في إبراز التفاعل ما بين المحتوى الخبري ولا شعور القارئ، وما يتأسس على التفاعل الحاصل بينهما. غير ذلك، تكون الصحافة الإلكترونية مجرد مؤسسة توزيع مطبوعات فائقة السرعة. وإن كان التحدي في الصحافة الورقية هو التوازن ما بين القانون والعرف والرقابة والسياسة والمهنة، فإن المستقبل المهني كامن في مواجهات ما بين التوازن السالف، ولا شعور القارئ، الذي يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري بمفهوم الخبر والرأي والتحليل. ما من شأنه أن ينسف العلاقة التقليدية المرهقة التي تجعل من المادة المنشورة قدرا لا يُرد، ومن القارئ «سانشو» الذي سحره دونكيخوت بأمجاده الزائلة!
التفاعل هو التحدي. والرصانة الورقية قد تقع في محظور المثل المصري الشائع: «دقّة قديمة»! ذلك أن التلطي وراء تجهّم المادة الأدبية أو «رفيعة المستوى» قد يكون حجابا لإخفاء العجز عن التفاعل، أو عجزا عن التكيّف. الأخير الذي ينتج، في الاجتماع، شخصية منطوية عدائية، وفي الصحافة ينتج محتوى خارج الصلاحية ليس بأشهر، بل بسنوات، وأحيانا أكثر بكثير!
يتم التشغيل بواسطة Blogger.